الحقیقة

الحقیقة

إطار الدرس :

تحددت الفلسفة منذ نشأتها حتى بدایة العصور الحدیثة بوصفها بحث عن الحقیقة، لذلك فإن مفهوم الحقیقة ینتمي إلى مجال الفلسفة باعتباره مفهوما فلسفیا بامتیاز، غیر أن تعدد أشكال المعرفة التي تجعل من الحقیقة موضوعا لها یؤدي إلى تعدد الحقائق، ومن تم یمكن الحدیث عن حقیقة فلسفیة وحقیقة علمیة وفنیة ودینیة… ومن هنا ینبع الطابع الإشكالي لهذا المفهوم التي ستتم معالجته تاریخیة بدءا من الفلسفة الیونانیة مرورا عبر الفلسفة الحدیث وانتماء بالفلسفة المعاصرة.

I -من الدلالة إلى الإشكالیة .

أ- الدلالة المتداولة : یشیر لفظ الحقیقة للدلالة المتداولة إلى معنیین أساسیین : الصدق والواقع، الحقیقي : هو كل ما هو موجود وجودا واقعیا، بینما الصادق هو الحكم الذي یطابق الواقع ومن تم، یكون الواقع هو مرجع الحقیقة وأساسها فكل
ماهو واقعي حقیقي وكل ما هو مطابق للواقع صادق وحق.

غیر أن هذا التحدید للحقیقة یطرح جملة من التساؤلات ألیس اللاواقعي واللاحقیقي یمكن أن یوجد ضمن الواقع، مثل :
الخطأ، الكذب، الخیال… فهذه الأشیاء واقعیة لكنها لیست حقیقة. معنى هذا أن لیس كل ماهو واقعي حقیقي أوكل ماهو
حقیقي واقعي وبالتالي فإن الدلالة الحقیقیة. الشيء الذي یفرض علینا تجاوزها والتفكیر فلسفیا في مفهوم الحقیقة من خلال
تحدید الدلالتین اللغوینوالفلسفیة.

ب- الدلالة اللغویة یعرفها الجرجاني في كتابه التعریفات “هي الشيء التابت قطعا ویقینا، یقال حق الشيء إذا تبین، وهي
إسم للشيء المستقر في محله ومابه الشيء هو هو الملاحظ أن الجرجاني في هذا التعریف یختزل الحقیقة فیما هو تابث
ومستقر ویقیني یقابله المتغیر والزائف والمتحول، وبذلك یلتقي هذا التعریف مع المعنى الأنطلوجي للحقیقة كماهیة وجوهر
في المقابل الأعراض المتغیرة والفانیة. أما على المستوى المنطقي فیرادف لفظ الحقیقة الحق والصدق ویقابله الباطل
والكذب فتصبح الحقیقة بهذا المعنى هي الحكم المتطابق مع الواقع، ففي الحق یكون الواقع مطابقا للحكم، بینما في الصدق
یكون الحكم مطابقا للواقع وبذلك تكون الحقیقة صفة للحكم المطابق للواقع.

ج- الدلالة الفلسفیة :

یعطي لا لونك 5 معاني للحقیقة : – الحقیقة بمعنى الحق حین یطابق الواقع الحكم وضده الباطل.

– الحقیقة بمعنى الصدق حین یطابق الحكم الواقع وضده الكذب.

– الحقیقة بمعنى الشيء المبرهن علیه.

– الحقیقة بمعنى شهادة الشاهد لما رآه أو فعله .

– الحقیقة بمعنى الواقع .

خلاصة : نستخلص أن الواقع عند lande la یتبقى معیارا وأساسها للحقیقة الشيء الذي یؤدي إلى طرح مجموعة من
الاشكالات یمكن صیاغتها على الشكل التالي : – إذا كانت الحقیقة تتمیز بالثباث والیقین عما طبیعة علاقتها بالواقع
المتغیر؟ إذا كانت الحقیقة هي الحكم فهل هي صو رة الواقع المنعكسة ففي الفكر والمعبر عنها في اللغة بمعنى آخر،
لاتوجد الحقیقة خارج اللغة والفكر وإذا كانت هي الواقع فهل نسبیة أم مطلقة ؟ متعددة أم واحدة ؟ ذاتیة أم موضوعیة ؟ هل توجد بمعزل عن الخطأ والكذب أي عن أصنافها ؟ أم أنها متلازمة ومتداخلة معها ؟ ماهي أنواع الحقیقة ؟ومن ثم من أین تستمد الحقیقة قیمتها ؟ .

II -الحقیقة والواقع .

تمهید :

سنعالج في هذا المحور طبیعة العلاقة بین الحقیقة والواقع من خلال استحضار التصورات الفلسفیة المرتبطة بهذا
الموضوع، سواء تحلق الأمر بالفلسفة الیونانیة أو الفلسفة الحدیثة أو الفلسفة المعاصرة.
– الإشكالیة : إذا عرفنا الحقیقة أنها خاصیة ماهو تابت ومستقر وبقیة فما هي طبیعة علاقتها بالواقع كمعطى متغیر
ومتحول ؟ هل هي الواقع ذاته أم هي مطابقة الفكر للواقع ؟ أم أن الأمر یتجاوز هذا وداك.

1)الفلسفة الیونانیة :

أ- أطروحة أفلاطون : یعتبر أفلاطون أن وراء التغیر في الأشیاء وتحولها الدائم ماهیات تابثة ودقائق خالدة تمثل الواقع
الحقیقي سماها أفلاطون بعالم المثل وهو عالم أزلي خالد لایلحقه التغیر والفساد لأن المتغیر والفاسد هو الواقع المحسوس
وهكذا وفي نظر أفلاطون هناك عالمین : عالم المثل و هو عالم سامي فوق العالم المحسوس ومفارق له، یمثل عالم
الموجودات و الصور العقلیة الثابتة التي منها تستمد جمیع الأشیاء الحسیة ووجودها، ففي المقابل كل الأشیاء الحسیة
الكثیرة والمتنوعة توجد صورة عقلیة في عالم المثل هي أصل هذه الأشیاء، وماهذا الأشیاء الأخیرة إلا نسخ مشوهة لتلك
الصور العقلیة الحقیقیة وبذلك یكون مبدأ الواقع الحسي هو عالم المثل الذي یعبر في نظر أفلاطون الواقع الحقیقي، فبینما
ینتمي الواقع الحسي إلى عالم التغیر والفناء، عالم الأوهام والنسخ المشوهة غیر الحقیقیة نجد عند أفلاطون أن الحقیقة
لایمكن أن توجد إلا في العالم المعقول، عالم الصور العقلیة الخالصة الذي لاندر كما إلا بالتأمل العقلي والمجرد التي یعوقه الحواس عن إدراك هذا الواقع الحقیقي .

-أرسطواطالیس .

إذا كانت الحقیقة حسب أفلاطون تابثة وعقلیة، فإنها لاتوجد في عالم المثل، فهذه النظریة حسب أرسطوطالیس لیست سوى
مجازات شعریة لا وجود لها في الواقع، لذلك فإن الحقیقة لاتخرج عن هذا العالم الحسي المتغیر، فوراء تغیر الأشیاء ولاولى
الدائم هناك الملهیات التابتة لأن التغیر في نظر ارسطو لایتم إلا في إطار التبث والاستمرار وبذلك فإن الحقیقة عند
أرسطو هي ماهیة مجانیة للأشیاء متظمنة فیها یتم التوصل إلیها بواسطة عملیة التجرید تلغى فیها الأعراض المتغیرة الزائلة
ویتم الاحتفاظ بالماهیات العقلیة الكلیة الذي تمثل الواقع الحقیقي وهكذا یعتبر أرسطو أن لكل شيء طبیعة جوهریة هي
حقیقة التي توجد وراء الأعراض الحسیة.

ینتهي إذن أرسطو إلى نفس موقف أفلاطون من الحقیقة وكل ما فعله هو إیزال تلك الصور العقلیة زمن عالم المثل إلى
الواقع الحسي وجعلها عقلیة ومعقولة توجد في الفكر لكن إدراكها لابد أن یمر عبر الحواس الشيء الذي تجعلنا نواجه
التساؤل التالي : – ألم تحول الحواس دون إدراك الحقیقة ؟ ثم حینما نحدد الحقیقة في العقل ألا نواجه إشكال آخر هو
والواقع. إشكال المطابقة، مطابقة الفكر للواقع، ألا یطرح هذا التطابق جملة من المفارقات الناتجة عن التناقض بین طبیعة الفكر

2 )الحقیقة بما هي مطابقة الفكر للواقع :

أ- أطروحة دیكارت، إن خداع الحواس وتشویش على العقل هو مادفع دیكارت إلى إقصاءها من عالم الحقیقة، حیث شك
في لحواس وفي المعارف الجاهزة، والأحكام المسبقة… معتبرا أن الشك هو أضمن طریق للوصول إلى الحقیقة، التي جعلها
تتحدد للأفكار الواضحة والمتمیزة التي لاتقبل الشك. ینطلق دیكارت إذن من الشك في الحواس لأنها تخدعنا وفي المعارف
السابقة وفي كل شيء إلى أن ینتهي إلى القول بفكرتین عقلیتین هما : الفكر والامتداد وهما، فكرتین فطرتین في العقل
استمدهما من ذاته اعتمادا على قواه الذاتیة : یقول دیكارت “كل الموضوعات معرفتي أفكار في عقلي” الفكر خاصیة
الوحیدة هي التفكیر ولایشتغل حیزا في المكان بینما الامتداد لایفكر، یمتد بالمكان ویمكن قیاسه ومن منا ینتمي دیكارت إلى
القول بالواقعین هما الفكر والامتداد، وهما واقعان متناضران لانستطیع أحدهما التأثیر في الآخر الشيء الذي یجعلنا أمام
عالمین متوازین، عالم روحي حقیقي هو الفكر واضح ومتمیز یتطابق مع واقع حسي ومادي الشيء الذي یجعلنا نواجه التساؤل التالي : إذا كانت الحقیقة بناء عقلیا خالصا فإن تحدیدها كتطابق یطرح جملة من الاشكالات : كیف یمكن لشیئین
من طبیعتین متناقضتین أن یتطابقا الحقیقة ؟ من طبیعة عقلیة روحیة، بینما الواقع من طبیعة مادیة. كیف نضمت التطابق
بینما في الأدهان، ومافي الواقع الخارجي ؟ .

الحل الذي یقدمه دیكارت الضمان الإلاهي یظل غیر مقنع على الشيء الذي جعل بسینورة یقول، نحو مر الواحد الذي یكون بقیمته مستمد من ذاته وبالتالي فالحقیقة هنا هي معیار ذاتها .

ب- أطروحة جون لوك :

الحقيقة

یرفض لوك أطروحة دیكارت الفاعلة للأفكار الفطریة فإذا كان العقل في نظره هو صفحة بیضاء وكل الأفكار والمعارف
والواقع وأساس الحقیقة هنا لیس هو العقل وإنما هو التجربة. التي تحصل علیها من الواقع التجریبي فهذه الأفكار بتطابق مع الأشیاء المادیة وعلیه فإن الحقیقة هنا هي تطابق الفكر
خلاصة : هكذا یقدم كل من دیكارت ولوك نضرة أحادیة الجانب للحقیقة فدلكارت یمیل إلى العقل ویجعله مصدر الحقیقة
بینما یجعل لوك إلى التجربة و یجعلها مصدرا للحقیقة.

أطروحة على عكس النظرة الأحادیة للجانب الإتجاهین السابقین. للحقیقة قدم كانط تصورا نقدیا لكتب (جدلي) للحقیقة معتبرا أن هذه الأخیرة لاتوجد في الذهن على نحو فطري كما یقول دیكارت، ولیست معطاة بالواقع الحسي كما یزعم  التجریبیون، وإنما تبنى وتشید. تأسس الحقیقة وفق هذا التصور النقدي على تطابق المعطیات الواقع الحسي مع البنیة القبلیة للعقل، فالواقع یزودنا بمادة الحقیقة والعقل یزودنا بصورتها وهكذا فلا وجود في نظر كانط لحقیقة عقلیة خالصة، أو حقیقة تجریبیة محضة، إن الحقیقة لیست هي مطابقة الفكر للواقع وإنمامي انتظام معطیات الواقع الحسي مع النظام القبلي للعقل (المقولات، الزمان، المكان) تبقى الحقیقة إذن مشروطة لما تعطیه التجربة للعقل ومایمد به العقل معطیات التجربة، بمعنى آخر أن الحقیقة تظل رهینة مطابقة الفكر للواقع .

تحلیل نص : الحقیقة الصوریة والحقیقة المادیة :

تحدث هذا النص (الحقیقة الصوریة والحقیقة المادیة) لصاحب إما نویل كانط وهو بالمناسبة فیلسوف ألماني اشتهر
بالفلسفة النقدیة التي حاولت التوفیق بین الفلسفة العقلانیة والفلسفة التجریبیة وقدم نظرة تركیب للحقیقة تحاول الجمع بین
بعدها الصوري العقلاني وبعدها المادي التجریبي. والنص الذي بین أیدینا مقتطف من كتابه المشهور (نقد العقل الخالص
ومن خلال یحاول تقدیم وجهة نظر نقدیة حول الحقیقة لذلك تساؤل مع كانط ماهو مفهوم الحقیقة ؟ ماهي أنواعها ؟ وهل
هناك معیار للحقیقة ؟ وإذا كان هذا المعیار موجودا فما هي طبیعته ؟ یعرف كانط بالحقیقة على أنها مطابقة الفكر
لموضوعه وهكذا یمیز بین نوعین من الحقیقة، دقیقة مادیة، وأخرى صوریة، ففي الحقیقة المادیة تكون بمعنى المطابقة أي مطابقة المعرفة (موضوعها وهنا لایمكن أن یكون هناك معیارا كلیا وشمولیا للحقیقة ینطبق على جمیع الموضوعات أما
فیما یتعلق بالحقیقة الصوریة فیعني بها مطابقة المعرفة لذاتها وهنا یمر كانط بوجود معیار كلي وشمولي للحقیقة سماه
المنطق، والمنطق في نظره هو مجموعة من القواعد والقوانین العامة في الفكر التي تكون معیار الصواب والخطأ. فما یتطابق مع هذه القواعد یكون صائبا وحقیقیا، وما یخالف هذه القواعد یكون خاطئا هكذا ینتهي كانط إلى بناء تصور نقدي للحقیقة ینبني على فكرة المطابقة مطابقة المعرفة للموضوع ومطابقة المرفوض والمنطوق للشيء مما یجعله لایخرج عن التصور التقلیدي للحقیقة .

مناقشة :

من خلال أطروحة مارتن هیدوجر ونظرا لإستحالة تطابق ماهو عقلي مجرد مع ماهو مادي محسوس فإن هیدجر یعمل
على طرح مفهوم آخر للحقیقة لایقوم على المطابقة وإنما على الحریة والانفتاح وهكذا یرى هیدجر أن ماهیة التطابق
تنحصر في طبیعة العلاقة بین المنطوق أو الفكر وبین الشيء من حیث أن التطابق یعني حضور الشيء ومثوله أمام الذات غیر أن التطابق بهذا المعنى یؤدي إلى الحد من تریه الوجود وانفتاحه الشيء الشيء الذي یقول إلى تحجبه واختفاءه.

3 )أنواع الحقیقة :

تمهید : إذا كانت الحقیقة مرتبطة بالخطاب واللغة وإذا علمنا أن هناك خطابات متعددة ولیس خطابا واحدا ذلك سیؤدي إلى تعدد الحقیقة وتنوعها بتعدد هذه الخطابات.

– هل الحقیقة واحدة أم متعددة ؟ وإذا كانت متعددة فماهي أنواعها ؟ ثم من أین تستمد مصدرها ؟ كیف یتم إقناع الآخرین بها.

1 )أطروحة ابن رشد : یرى ابن رشد أن الحقیقة الواحدة هي الحقیقة الدینیة التي تستمد مصدرها من الوحي الالاهي. لكن
الحقیقة وإن كانت واحدة فإن طرق تبلیغها وإقناع الناس بها متعددة تختلف باختلاف مستواهم المعرفي والعقلي وماجدلوا
علیه من التصدیق ذلك أن طباع الناس متفاضلة للتصدیق فمنهم من یصدق بالبرهان وهو خاص بالفلاسفة، ومنهم من
صدق بالجدل وهو خاص بالمتكلمین، ومنهم من یصدق بالخطابة وهم عامة الناس.

یستنتج ابن رشد من هذا التصور الوحدوي للحقیقة على أن الحقیقة الفلسفیة لاتخالف المشرع لأن كلاهما یطلب الحق والحق لایضاد الحق بل یوافقه وشهد لتك ما یقول ابن رشد نفسه وبذلك فإن الحقیقة واحدة وإن تعددت سبل الوصول إلیها.

2 )أطروحة مشیل فوكو : یقسم فوكو الحقیقة إلى 14 أنواع فهناك الحقیقة البنویة والحقیقة الفلسفیة والسیاسیة والعلمیة،

وبالتالي فإن الحقیقة الدینیة إن هي إلا وجه واحد من أوجه الحقیقة المتعددة والمتنوع. ولكن من أین تستمد الحقیقة قیمتها
ومصدرها ؟ كیف تفرض نفسها وسلطتها على الناس ؟ یجیب فوكو أن الحقیقة تستمد مصدرها وقیمتها من المجتمع الذي
تنتمي إلیه لذلك أن لكل مجتمع نظامه الخاص وسیاسته العامة التي تحدد شروط إنتاج الحقیقة وتداولها واستهلاكها،
ومعاییر التمییز بین الخطاب الحقیقي والخطاب الخاطئ، والحدود التي لاینبغي أن تتجاوزها، ومن له الحق في قولها
واستهلاكها وعلیه فإن إنتاج الحقیقة وتأسیس النواة التي لها الحق في القول الحقیقة یتم تحت مراقبة المؤسسات الاجتماعیة

(الجامعة المدرسة الأسرة، وسائل الاعلام…) وفق طقوس خاصة ومراسیم محددة سلفا، إن هذه الرقابة المفروضة على الحقیقة هي التي بتث مدى علاقة الحقیقة بالمؤسسة والسلطة التي تنتجها وتدعمها، وبالتالي فإن الحقیقة تستمد قیمتها من المؤسسة والسلطة، فلا حقیقة بدون سلطة لأن الحقیقة هي مدار كل سلطة.

3 )أطروحة : G Bachelard

ن هیمنة المؤسسة على الحقیقة لم تسلم منها حتى الحقیقة العلمیة المحصورة داخل شبكة من المؤسسات كالجامعات
ومنظومة الكتب والنشر والطبع والخزانات، فهذا الخطاب الذي فرض نفسه القادر للوصول إلى الحقیقة دقیقة وناجحة. أنبث تاریخ العلم أن الحقیقة بشكل عام والحقیقة العلمیة بشكل خاص لاتوجد بمعزل عن الخطأ، بل إن إدكار نوار “یعبر أن أكبر
منبع للخطأ هو الحقیقة نفسها” وهكذا یرى باشلار أن تاریخ الوقوع في الأخطاء، وإعادة تصحیحها باستمرار، فأخطاء  الماضي في نظر باشلار تكشف عن نفسها كنوع من الندم والمراجعة المستمرة للحقیقة. إن الحقیقة العلمیة هي دائما هدم
لحقیقة سابقة لم تكن مقامة على أساس مثین وتجاوزه في نفس الوقت لما یمكن أن یشكل عقبة أمام المعرفة العلمیة ذلك أن هذه المعرفة تحمل في ذاتها عوائق إیستمولوجیة تؤدي إلى أخطاء وتقف حاجزا أمام تقدم المعرفة العلمیة، ومن أبرز هذه
العوائق هناك الحس المشترك والأحكام الجاهزة وبادئ الرأي أو الظن. إنما ینقص التجربة المباشرة والمعرفة المشتركة حسب باشلار هو منظور الأخطاء المصححة الذي یتم به الفكر العلمي المعاصر، والعلم مطالب بالتقلص من هذه العوائق
الإیستمولوجیة حتى یتقدم ویتطور، وهكذا فالخطأ في نظر باشلار جزء لایتجزء من بنیته الحقیقة العلمیة المعاصرة حیث یلعب دورا إیجابیا لتقدم العلم وتطوره وعلیه لیست هناك دقیقة مطلقة ولكن هناك حقیقة نسبیة ولیست هناك حقیقة یقینیة كما تدعى فلسفة كلاسیكیة ولكن الحقیقة قابلة للخطأ.

أطروحة نیتشه :

إذا كان الخطأ لاینفصل عن الحقیقة فإن نیتشه لاینفصلها عن الوهم، فالحقیقة في نظره لیست سوى وهم من أوهام الحیاة. أطروحة نیتشه :
انطلاقا من هذا التصور، یتأمل نیتشه عن طبیعة الحقیقة وإنما عن قیمتها ودورها في الحیاة وتتحدد قیمة الحقیقة من وجهة
نظره في فائدتها ومنفعتها لا وجود لحقیقة في معزل من غایات تضمن استمرار الحیاة وبقائها، فالحقیقة لیست غایة في
ذاتها بل هي وسائل لغایة نفعیة، والحقیقة تدوم یقدرها تنفع بالحفظ الحیاة والنوع الشيء الذي یعمل حتى بالأوهام هاته مادم
أن المعیار الوحید للحقیقة هو المنفعة.

إن الحقیقة في نظر نیتشه أوهام واعتبر هذه الحقائق وهما هذا اعتبرها مقنعة لنا، لكننا بینا أنها أوهام لأنها أوهام نافعة في معركة الصراع من أجل البقاء. یسمح هذا الحدیث المینشوي الحقیقة بالتساؤل عن قیمتها وأهمیتها.

4 )الحقیقة بما هي قیمة :

تمهید : إذا كانت الحقیقة في الفلسفة التقلیدیة یعتبر غایة في ذاتها وتستمد قیمتها من ذاتها لا من شيء خارجها، فإن الفلسفة المعاصرة وخاصة المدرسة البرنجماتیة ستؤسس تصورا نفعیا للحقیقة.

– إشكالیة : فمن أین تستمد الحقیقة قیمتها ؟ هل من ذاتها أم من منفعتها ؟ ألا یطرح التصور النفعي تساؤلات لا أخلاقیة فیه بصدد الحقیقة.

أطروحة ویلیام جیمس یؤسس ویلیام تجیمس تصورا جدیدا للحقیقة ینبني على أساس نظرة نفعیة عملیة وهكذا فجیمس على
غرار نیتشه یقضي بدوره على فكرة الحقیقة المطلقة المنزهة عن كل غایة خارجیة، ویؤكد عن الطابع البر غماني للحقیقة، إذ
أن قیمة هذه الأخیرة تتجلى في كل ماهو نقعي عملي ومفید، تأكید یعبر عنه S . V یقول ” امتلاك أفكار صادفة یعني
على وجه الدقة امتلاك أدوات تمینة للعمل” من هنا یصبح معیار الحقیقة الوحید هو صلاحیتها للعمل، والإنسان هو صانعها، وبذلك فإن الحقائق تتغیر مغیر المواقف ومایصلح لكل منها، وتختفي الحقیقة الكلیة الثابثة وتصبح نسبیة، تختلف باختلاف المصالح وتداركها وهكذا فما یكون نافعا بالنسبة لي قد یكون ضارا بالنسبة لغیره، مما یجعل النظریة البرغماتیة بطریقة لا أخلاقیة.

أطروحة بركسون :

رغم الطابع اللاأخلاقي للحقیقة إلى أن بركسون یدافع عنها باعتبارها تقدم بدیلا للمفهوم التقلیدي للحقیقة الذي لایرى فیما إلا مطابقة الفكر بالواقع فهذه المطابقة غیر ممكنة في نظرها، لأنه لیست هناك واقع تابث حتى یتطابق معه الفكر، إن الواقع دائما متحرك، مما یجعل الحقیقة السباق للمستقبل واستعداد له.

أطروحة كانط :

ن هذا التأویل للحقیقة على بركسون لایلغي طابعها اللاأخلاقي الشيء الذي یجعل المفهوم الكانطي للحقیقة باعتبارها واجبا
أخلاقیا ذا بعد إسناني رفیع، یحتفظ بأهمیته وراهنیة، وهكذا یرى كانط أن الكذب لایضر بالإنسانة فقط بل یضر بمفهوم الواجب الذي یجعل قول الحقیقة واجبا أخلاقیا ینبغي أن یلتزم به الجسم، وكما یرفض كانط أن تكون الحقیقة ملكا خاصا للبعض دون الآخرین فإنه یجعلها واجبا مطلعا یتساوى فیه جمیع الناس مهما اختلفت مذاهبهم وأعراقهم وجنسیاتهم.

خاتمة : لقد ظلت الحقیقة ومازالت هدفا وغایة لكل معرفة إنسانیة فأن تكون الحقیقة غایة المعرفة معناه أنها غیر موجودة

وتاریخ الفلسفة – قدم نفسه على أنه السعي الدائم وراء الحقیقة، ومن هنا منبع النسباین والاختلاف في تحدیدها. تبعا الاختلاف الأنساق الفلسفیة والمراحل التاریخیة التي تأطرها. لذلك اتجهت الفلسفة المعاصرة إلى البحث في الحقیقة لا بالمعنى الحقیقة، ولكن البحث في الحقیقة من حیث قیمتها ودورها في المجتمع.

كتاب لمنهجيات جاهزة لتحليل نص فلسفي و قولة و السؤال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *